الأحد، 25 أكتوبر 2026
رأي وتحليل

أربعة ملايين صوت… ومسؤولية واحدة

مقال للإعلامي وليد الحمادي عن أمانة المؤثر تجاه جمهوره: التحقق من المعلومة، والحفاظ على القيم والذوق العام، والشفافية في الإعلان، من شاعر القبيلة إلى نظرية قادة الرأي.

أربعة ملايين صوت… ومسؤولية واحدة

حين يصغي إليك شعب

أربعة ملايين متابع رقمٌ يُغري بالاحتفال. لكنني حين أتأمله لا أرى رقمًا، بل أرى مدينة بأكملها: آباء وأمهات، طلاب وموظفون، مغتربون يبحثون عن صوت يشبه أوطانهم.

أربعة ملايين إنسان يمنحونني أثمن ما في هذا العصر: انتباههم. والانتباه ليس هدية تُستهلك، بل أمانة تُؤدّى.

ومن هنا السؤال الذي أطرحه على نفسي قبل كل منشور: ماذا سيحمل هؤلاء معهم حين يغلقون الشاشة؟

من شاعر القبيلة إلى صانع المحتوى

لم يبدأ التأثير مع الهواتف الذكية. ففي الجاهلية كانت القبيلة تقيم الأفراح إذا نبغ فيها شاعر؛ لأنه منبرها وديوانها ومحاميها أمام الناس. ببيت واحد كان يرفع قومًا أو يضعهم.

وفي منتصف القرن العشرين اكتشف باحثا الاتصال بول لازارسفيلد وإليهو كاتز ما سمّياه «التدفّق على مرحلتين». فالناس لا يتأثرون بالإعلام مباشرة، بل عبر «قادة رأي» يثقون بهم ويستمعون إليهم.

المؤثر اليوم هو قائد الرأي الذي تحدّث عنه الباحثان، لكن بمكبّر صوت يبلغ الملايين. وهو في الوقت نفسه «حارس بوابة» يقرّر ما يصل إلى جمهوره وما يُحجب عنه، دون هيئة تحرير تراجعه. وما كان يتوزّع على صحيفة كاملة صار اليوم على كتفي فرد واحد.

الأمانة الأولى: الحقيقة

قبل أربعة عشر قرنًا وضع النبي محمد ﷺ أدقّ معيار للنشر: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع». هذا الحديث هو دليل التحقق الأول في تاريخ الإعلام، قبل أن تعرف الصحف أقسام تدقيق المعلومات.

والعلم الحديث يؤكد خطورة التفريط فيه. ففي عام 2018 نشر باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية دراسة أثبتت أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع وأبعد من الصادقة. الكذب مثير بطبعه، والحقيقة غالبًا هادئة ومملّة.

وهنا الاختبار الحقيقي لأي مؤثر: أن يتأخر ساعة ليتحقق، بدل أن يسبق الجميع بخبر قد يكون كاذبًا. السبق يمنحك تفاعلًا ليوم، أما الصدق فيمنحك ثقة لعمر. والمؤثر الذي يخطئ يجب أن يعتذر بالصوت نفسه الذي أخطأ به.

الأمانة الثانية: القيم والذوق

طرح عالم الاتصال جورج جربنر «نظرية الغرس الثقافي»: ما يراه الناس يومًا بعد يوم يصنع صورتهم عن العالم شيئًا فشيئًا. لا يغيّرهم منشور واحد، لكن تغيّرهم العادة.

وهذا يعني أن المؤثر لا ينشر محتوى فحسب، بل يزرع ذوقًا عامًا. ماذا نضحك منه؟ ومن نعدّه ناجحًا؟ وكيف نتحدث عن المرأة والوالدين والغريب؟ كل هذه أسئلة يجيب عنها صانع المحتوى دون أن يشعر.

وبين متابعيّ الأربعة ملايين أطفال ومراهقون لا أعرفهم، لكنهم يعرفونني. هؤلاء لا يفرّقون دائمًا بين المزح والقدوة. ولذلك أؤمن بأن الترند يموت في أسبوع، لكن القيمة التي زرعها تبقى في الناس سنوات.

الأمانة الثالثة: الاستقلال والشفافية

الثقة هي رأس مال المؤثر الوحيد، وكل إعلان مخفيّ يسحب منها دون أن يلاحظ. الجمهور لا يغضب من الإعلان، بل يغضب حين يكتشف أن النصيحة كانت بضاعة.

وقد أدركت دول كثيرة، ومنها الإمارات، أن التأثير صار مهنة لها ضوابط، فنظّمت المحتوى الإعلاني بالتراخيص والمعايير. لكن القانون يضع الحدّ الأدنى فقط؛ أما الضمير فهو الذي يرفع السقف.

والاستقلال لا يعني رفض الشراكات، بل أن يبقى للمؤثر صوته حتى حين يُدفع له. أن يقول لا لمنتج لا يثق به، وأن يقول نعم لقضية عادلة ولو لم تدفع له شيئًا. فالصوت الذي يُشترى مرة، لن يُصدَّق مرة أخرى.

صوت واحد أمام الملايين

يقول الله تعالى: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا». وإذا كان الإنسان مسؤولًا عن سمعه وبصره، فكيف بمن يملأ أسماع الملايين وأبصارهم كل يوم؟

أربعة ملايين صوت يصغي، ولكن المسؤولية لا تتوزّع عليهم. إنها واحدة، وهي لي. وما دام الناس يمنحونني أعزّ ما يملكون، وهو وقتهم وثقتهم، فأقلّ ما أردّ به هذا الدين كلمة صادقة، ومحتوى يتركهم أفضل مما وجدهم.

فالمتابعون ليسوا أرقامًا في لوحة إحصاءات، بل شهودٌ على ما قلناه.

وليد الحمادي

وليد الحمادي

إعلامي وصحفي وكاتب

صوت إعلامي يجمع بين عمق الرؤية وقوة الكلمة، يسلّط الضوء على الثقافة والمجتمع والهوية، مع اهتمام خاص بالإمارات والمغرب، ويقدّم محتوى يعكس الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية بين البلدين.