مفارقة الألف ميل
على الخريطة، تفصل أبوظبي عن فاس آلاف الكيلومترات، وبحران وصحراء كبرى، وساعات طيران طويلة. لكن من يمشي في أزقّة فاس العتيقة مترددًا بين رائحة النعناع وصوت الأذان، ثم يعود إلى أبوظبي ويجلس في مجلس تُدار فيه القهوة باليمين، يدرك أن الخرائط لا تقول كل شيء.
هناك مسافات تُقاس بالكيلومتر، ومسافات تُقاس بالقلب. وبين الإمارات والمغرب تنكمش الأولى أمام الثانية حتى تكاد تختفي. فالمغربي في دبي لا يشعر أنه ضيف ثقيل، والإماراتي في مراكش يُستقبل كمن عاد إلى بيت أهله.
فما الذي يجعل بلدين متباعدين أقرب من جيران يتقاسمون الحدود؟ ومتى تتحوّل المسافة من حاجز إلى قرابة؟
الجغرافيا ليست قدرًا
يتحدث علماء الجغرافيا عن قانون «تضاؤل الأثر مع المسافة»: كلما ابتعد مكانان ضعُفت صلتهما. وهو قانون صحيح في التجارة وحركة البضائع، لكنه يتعثر أمام الشعوب.
فقد رأى المؤرخ بندكت أندرسون أن الأمم «جماعات متخيلة»؛ فأنت لا تعرف ملايين الناس الذين يشاركونك الوطن، لكنك تشعر بأنهم منك. وهذا الخيال المشترك لا يتوقف عند الحدود؛ إنه يمتد حيث تمتد اللغة والعقيدة والذاكرة.
وقبله بستة قرون قال ابن خلدون، ابن الغرب الإسلامي، إن «الإنسان مدنيّ بالطبع»، لا يكتمل إلا بغيره. والإمارات والمغرب مثال حيّ على ذلك: لغة واحدة، وقبلة واحدة، وتقاليد ضيافة تكاد تكون نسخة من بعضها. وفي علم الاجتماع الحديث يسمّى هذا «رأس المال الاجتماعي»: الثقة التي تسبق العقود، وتجعلها أسهل حين تأتي.
ابن بطوطة: أول الجسور
في القرن الرابع عشر خرج شاب من طنجة قاصدًا الحج، فلم يعد إلا بعد نحو تسعة وعشرين عامًا. كان ابن بطوطة يبحث عن العالم، فوجد في كل مدينة إسلامية بيتًا يؤويه ولسانًا يفهمه.
وحين بلغ سواحل عُمان وهرمز، ووصف غوّاصي اللؤلؤ في مياه الخليج، لم يكن يكتب عن بلاد غريبة. كان يرى المسجد ذاته، والكرم ذاته، والقاضي الذي يحكم بالشريعة ذاتها.
ثم عاد إلى فاس، وأملى رحلته في بلاط السلطان أبي عنان المريني. هكذا ولدت في فاس أشهر شهادة على أن العالم العربي والإسلامي كان فضاءً واحدًا قبل أن ترسم الخرائط الحديثة حدوده. وليس مصادفة أن دبي أطلقت اسمه على أحد أبرز معالمها، فكأنها تقول: الرحالة المغربي ما زال ضيفًا مقيمًا.
زايد والمغرب: حين يؤسس الوجدان للسياسة
في العلاقات الدولية، تسود مدرسة الواقعية التي ترى أن الدول لا تعرف إلا المصالح. لكن العلاقة الإماراتية المغربية تضيف إلى هذه المعادلة عنصرًا تغفله النظريات: الوجدان.
فالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لم ينظر إلى المغرب بوصفه ملفًا دبلوماسيًا، بل بوصفه بلدًا يحبه ويأنس إليه. وجمعته بالملك الراحل الحسن الثاني مودة شخصية عميقة، تحوّلت مع الزمن إلى عرف سياسي بين البلدين.
وما يبنيه المؤسسون بالمودة يرثه الأبناء مسؤولية. فقد وقفت الإمارات مع وحدة المغرب الترابية، وافتتحت قنصلية في مدينة العيون. وفي أواخر عام 2023 أعلن البلدان في أبوظبي شراكة جديدة تمتد من الموانئ والطاقة إلى المياه والبنية التحتية.
وهنا الدرس: المصالح وحدها تصنع تحالفات مؤقتة، أما المصالح التي تستند إلى المحبة فتصنع أخوّة دائمة.
الإنسان قبل الاتفاقيات
الاتفاقيات تُوقَّع في القصور، لكن القرابة تُصنع في البيوت. في الإمارات تعيش جالية مغربية كبيرة، تعمل في المستشفيات والفنادق والمدارس والإعلام، وتحمل معها المطبخ واللهجة والأغنية.
وفي المقابل صار المغرب وجهة الإماراتي الأحب للسفر والاستثمار والسكن الموسمي. فهو يجد هناك ما يشبهه: الصحراء، والخيمة، والمجلس، وتقديس الضيف. ويجد ما يكمّله: الجبل والنهر والمدن العتيقة التي تحفظ ذاكرة الأندلس.
واليوم تترجم هذه القرابة نفسها في ما هو أبعد من السياحة: زيجات مشتركة، وطلاب يتبادلون المقاعد، وحرفيون مغاربة يتركون بصمتهم على الجبس والزليج في البيوت الإماراتية. وكما تقول العرب: «رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمُّك».
المسافة اختيار
كتب المتنبي ذات فراق:
إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا
المتنبي
ألّا تفارقهم فالراحلون هُمُ
والإمارات والمغرب لم يترك أحدهما الآخر يرحل. لأنهما فهما مبكرًا أن المسافة ليست قدرًا جغرافيًا، بل قرار إنساني.
ففي عالم تتكاثر فيه الجدران وتتقارب فيه المدن افتراضيًا وتتباعد القلوب، يقدّم هذان البلدان درسًا بسيطًا وعميقًا في آن: حين تشترك الشعوب في الذاكرة والقيم، تصير الألف ميل خطوة، وتصير المسافة قرابة.